من بنغازي إلى طرابلس ( 1 / 4)

بُعيد العِشاء و العشاء ، بكأس الماء المُنكسِرة و المُذابة فيه بلورات السكر - كعادتها - تودعني الوالدة ، عند باب المنزل ، والقطط الصغيرة ، بعضها في الداخل ، والبعض الآخر ، يتشاكس عند العتبة و يشيعني بعيونه التي تلمع من انعكاس الضوء عليها ، مُستغِلة ًلحظة فتح الباب ، لتطالع – بحذر مشوب - و تتطـّـلع على العالم الخارجي - فرشّت ( سكر في امية ) في عقـِبي - و أنا أشفق عليها ، من أنْ تعوز السكر من بعدي – الذي ارتفع سعره عشر مرات ، بعد أنْ رُفِع عنه الدعم ، كسلعة تموينية أساسية ، و انسخطت أكياسة ، من زنة خمسين كيلوجرام إلى جرام واحد فقط - داعية ليّ :
- مربوحة يا اوليدي .. توصل طيّب إن شاء الله .. و رد بالك من ارويحتك .
- يا أمي راني مش ماشي انجاهد .. راني امسافر بس .
- مش انكان ركبت في طيارة خيرلك .. راك وصلت في اسويعة بس ؟ .
- لالالا .. إلا الطيارات يمي .. عارفة و اللهي لو نلقى واحد ايرافقني .. مستعد نمشي لعند غادي .. كعّابي و قبّقابي و شبّشابي .. و لا نركب في رابش طيّاراتنا .
فيمَ سوف يضرني ، استغراق زمن الرحلة بالبرّ ؟ فأنا في عداء مع الوقت ، لا أريد أنْ أدّخر منه شيئاً لعمري ، أريده أنْ يمضي ، أنْ يفوت ، أنْ ينتهي ، و لا يُحسب عليّ ، أريد أنْ أعرف أخر هذه الحكاية الدنيوية ، فهات يا زمن النهايات و خذ البدايات ، فمن النهاية أفهم كل شيءٍ ، لا أبالي بمبتدأ الجملة الأسمية ، بل بخبرها و منتهاهها ، و صرت لا أبالي إلا بالختام - طالما أنّ لكل بداية نهاية - لا يعنيني البدء و لا الوسط ، فحتى كأس العالم و نخبُه ، بتُّ أشاهد مبارياته النهائية فقط ، و لو أني كنت أعلم مسبقاً ، بأنها ستنتهي بتمديد الشوطين الثالث و الرابع ، لما تابعت إلا هما ، بل لو أني كنت أدري ، بأنها ستنتهي بركلات الجزاء و العقوبة الترجيحية ، لما أنشغلت بغيرها ، تراني على الدُّوام ، لا أربط ساعة يدوية على معصمي ، و حتى الهدايا ، التي تصلني في شكل ساعات ، أحتفظ بها للذكرى فقط ، فما حاجتي إليها ، طالما أنني تعودت على ضبط التوقيت ، من خلال مواقيت الصلاة المفروضة ( الصبح و الظهر و العصر و المغرب و العشاء ) ؟ .. حتى المسلسلات - و بالأخص البوليسية منها - غدت لا تستهويني ، و لا أشاهد منها إلا الحلقة الأخيرة ، التي يُقضى فيها على العصابات و الشراذم ، لذا دوماً ، أردّد على شفتيّ : ' لو كنت أعلم خاتمتي ما كنت بدأت ' من أغنية ' رسالة من تحت الماء / عبد الحليم حافظ ' .. علاقات الحب ، باتت لا تروقني تفاصيلها ، لكن خواتيمها ، فإما الفراق أو اللقاء ، السياسات و المواقف و العنتريات و التهديدات الدولية ، لا التفتّ إليها ، فلا أركّز إلا على النتائج ، لأعرفَ من خلالها ، المُخلصين لأوطانهم من المُدعين ، و المحتالين و الكاذبين على شعوبهم ، المشعوبة الإرادة و المُنكسِرة الإدارة ، هكذا أنا ، لا أندم على ما مضى من عمري ، و لا أحبُّ من يدعو ليّ بـ ( الله ايطول عمرك * ) و لا أتحسّر عليه ، إلا إذا ارتكبت فيه المعصية ، أنا سعيدٌ بما فات منه ، فهو حتماً سيقربني من اللحظة الأخيرة و الفاصلة ، سيدنوني من الصافرة ، صافرة الحكم الحكيم ، عند النفخ في السُّور .
***
( اطرابلس .. يا طرابلس .. يا طرابلس ) ليس ' محمد حسن ' من يردّد هذه الكلمة في أغنيته الأخيرة عن ( اطرابلس ) التي لم أعرف ما سرّ غنائه بها و لها ، في هذه المرحلة تحديداً ، بعد أنْ تنغـّم بـ ( رحلة نغم ) و طاف بربوع بلادنا جميعها على بساط ريح ' فريد الأطرش ' فلم أستطع مواصلة الاستماع إليها ، كلما شاهدت تسجيلها ، لكون الغناء عن مدينة كهذه ، و عن الوطن بمُجملِه ، يستلزم منا الخشوع أثناء الإنشاد ، و الغناء بإحساس ، لا الاكتفاء بالصراخ الفجّ .. بل هو سائق حافلة ( فيتو ) يبرح و ينادي على المسافرين في الفندق البلدي في مدينة بنغازي .. كنت أخر الصاعدين إليها ، و حينما وصلت ، وجدت الركاب ، في حالتي تململ و تقلقل ، فقد طال انتظارهم لأخر صاعد ، ملأت المكان الشاغر في المقعد الخلفي ، بجانبي شخص أفريقي و آخر مصريّ ، فصاح الرُّكّاب - باستثناء من هما بحذوي - في نفس واحد : ( جابك ربي .. هيّا يا حاج .. رانا ملينا .. اربح باش نوصلو في الصبح بدري ) .. ' في المأثور ' طريق الألف ميل تبدأ بخطوة ' و في بلادنا ، طريق الألف كيلو متر ، تبدأ بالدعاء لله ، أنْ نصل سالمين .. ( اربطوا الأحزمة .. و تأكدوا من وراقيكم يا ولاد .. أني مش مسؤول على أي واحد .. يمسكوه قطـّـاع الطريق .. عند المفارز و البوابات الفاصلة بين مدننا ) .. على بركة الله ، امض ِبنا يا قائد الحافلة .. انطلقت الحافلة منعطفة من عند سوق الحديقة و نادي الهلال ، صاعدة على جسر ( راس اعبيدة ) بسرعة ( 60 كم / س ) لمحت قبل الجسر مدرسة ' أبي عبيدة بن الجراح ' الثانوية للبنين ، و المثابة الـ ( ماما ) المجاورة لها ، فتخيّـلت أيام العبط و العبث ، و موقفاً ظريفاً إبان دراستي فيها ، في الصف الأول الثانوي في سنة 1989 ميلادياً ، حينما كنا نفرّ من المدرسة أثناء الدّوام ، بُغية الذهاب إلى سوق ( التوانسة ) الذي يفصله عن المدرسة ، الطريق السريع فقط ، و في ذلك اليوم ، كان لدينا امتحانٌ في إحدى المواد العلمية ، على تمام الساعة الثانية عشرة ، فخرجنا من النافذة ، هابطين من المزراب المجاور للنافذة ، مثلما القوات الخاصة ( الكوماندوس ) و بعد أنْ تسكعنا في البنايات في هذا السوق الوضيع ، التي هي مثل عشوائيات الصفيح ، اقترب وقت الامتحان ، فعدنا أدراجنا ، لأدراجنا و مقاعدنا ، متسلقين المزراب نفسه كما اللصوص ، و لما وصلنا ، افتقدنا أحد الطلبة القادم تواً ، من مدينة ( المرج ) و المُنضَم إلى المدرسة حديثاً ، بل و في أول يوم له فيها ، و في صبيحة اليوم الثاني ، علمنا بأنه أخطأ الهدف ، إذ أنه صعد مزراب المثابة الأم ، بدلاً من المدرسة ( و عيونكم ما تشوف إلا النور ) .. انتهيت من هذه الذكريات ، و قد وصلت الحافلة إلى المنفذ و المخرج النهائي لبنغازي غرباً ، وضع السائق في مسجل السيارة أغنية ( خصيمي قاضي ) للفنان الراحل ( أشرف محفوظ ) و شيئاً فشيئاً ، سرّع من سرعته ، حتى استقرت على ( 140 كم / س ) انعدمت التغطية في شبكة ( ليبيانا / الزمن سنة 2005 فلا تستغربوا ) .. و بعد ان تجاوزنا مدينة ( إجدابيا ) بقليل ، واجهتنا إرهاصات عاصفة رملية في الأفق ، فأشارت سيارة قادمة من الجهة المقابلة بمصابيحها لنا ، فأوقف سائقنا الحافلة ، و نزل إليها مهرولاً ، ليتحدث مع السائق الآخر ، لمدة خمس دقائق ، و بعد أنْ رجع إلينا ، أخبرنا بأنّ :
- العاصفة شديدة ، و لو أننا استمررنا في المسير ، ستكون أشد بكثير مما هي عليه الآن ، و أنّ أفق الرؤية لا يتجاوز متراً واحداً .
- فردّت عليه الحاجة ' فاطمة ' التي تجلس في المقعد الأوسط صُحبة حفيدها ' اسلومه ' : سوق عطك حبّة .. دايرلي روحك من اعويلة أوربا .. يا حاج راهي حياتنا عجاج في عجاج من يومها .. امغير صفي نيتك بس .
- و اللهي ما نقدرش .. خلونا اندرسو في أول استراحة و الصباح رباح .
بمجرد أنْ توقف بنا ، دخل السائق إلى الاستراحة ليستريح ، فيبدو من عينيه اللتين كنت أراقبهما في المرآة ، أنهما لم تذوقا طعم النوم منذ يومين ، و أنه مرهق و لا طاقة له على القيادة ، فاستغل هذه الفرصة لينام بالمرة ، طالما أنه ضمن بقاءنا معه ، و حجزنا أخيراً ، بعد أنْ حجزناه في المحطة الأولى ، و وضع ثمن أجرتنا في جيب ( فرملته ) .. نزل الجميع من الحافلة تاركينها للحاجة ' فاطمة ' لتأخذ راحتها في النوم ، هي و حفيدها ، جلس الجميع على مقاعد الاستراحة ، بعد أنْ طلبوا الطعام و المشروبات ، و غطـّوا في نوم عميق ، و هم جالسين ، و مرافقهم على المناضد ، يا لها من ليلة ، لن أنساها ما أحياني الحيّ القيوم ، صرت طيلة تلك الليلة ، انظر إلى هؤلاء المسافرين مستغرباً ، كيف ينامون بهذه الطريقة ؟ فأنا لا أقوى على الرقاد بهذه الكيفية ، بل أنني لا أقدر على النوم إلا في فراشي ، و أسرُّ إلى نفسي : ( أسم الله ع المحبسة .. و خاصة المظلومين منهم ) .. أمضيت ليلتي بين روحة و جاية أمام الاستراحة ، و الجلوس في الخارج ، أكملت ليلتها علبتي تبغ من شدة القلق و الملل مع كوب مكياطة سبّب لي في مغص معويّ .. استغربت أنّ لا أحداً من الركاب احتجّ على السائق ، و لم يطلب إليه أنْ يسافر بنا ، و لو بسرعة بطيئة ، لماذا صمت الجميع ما خلا تلك العجوز .. جلست في الخارج ، أعد السيارات التي تمضي أمامي ذهاباً و أياباً ، و قد استغربت أنّ لا واحدة منها توقفت مثلنا عند الاستراحة ، حينئذٍ ، ناداني ' اسلومة ' و أخبرني بأنّ جدته تطلب إليّ ، أنْ اقترب منها في السيارة ، لأتسامر معها ، طالما أنّ النوم يجافيني ، فوجدتها قد أخرجت ( ترمس ) الشاي و آخر للقهوة و الكعك ، و قنينة ماء .
- أنا : خير يا حاجة .. شنو امغربك لعند اطرابلس ؟ .
- هي : و اللهي يا باتي ماشية انعزي في الحاجة ' لله ' من طرابلس .. طيبك ' لله ' الله يرحمها و يسامحها من يوم ما عرفتها في الباخرة .. و نحنا ماشيين أنا و صاحب بيتي للحج من خمسين سنة .. جتنا الخبّارة بعد المغرب .. و ما لقينش حجز في الطيارة .. و بصراحة ما نقدرش انغيب عليها .. و خايفة ايفوتني الدفن .. قبل ما انسلم عليها و نستسمحها .. لاجني تناوشت معاها في اخر مرة كلمتني بالتلفون .. و نشهد بالله ما عمرهش غابت علينا .. جت المسكينة في قربوجة شايبها و حضرت فرح ولدي ' منصور ' بو هالعيل اللي جايبته امعايا بيش ايونسني ، و جابتلي حولي و ما تابعه .. و جتني في وفاة صاحب بيتي و حطت في بطني200 جني .. لكن يا باتي الطريق طويلة و لا عندنا بواخر و لا قطارات و لا شي .. انكان هضا راني كل صيف ماشيتلها .. الله يرحمها كانت ديما تعزم فيا .. و سبحان ع النصيب .. كنت نبي ناخذ بنتها ' فريحة ' لوليدي ' منصور ' بو هالعيل .. يمّحلاك ' فريحة ' حرارة و شطارة اجعنها صباحك .. و لما خطبتها .. بوها الله ايسامحه .. قال ما عندي إلا راس هالبنية .. و ما تهونش عليا نرميها في هضك الوطن .. عونه لبنغازي .. و عطاها لواحد في الحكومة .. و قالو البنية تهجلت من هي صغيرة .. اسم الله عليها .. و اللهي انكان خذاها منصور .. راهو زقزقلها عصفورها .. أي نلقاها أنها وجعتني في وسط قلبي .. و الله ايسامح بوها .. اللي كسر خاطري و ما عطانا بنته .. ثم بدات من جديد ، تـُعدّد – و هي ( اتعدد و تشلى .. يانا عليّ بوي .. يانا عليّ يا لله يا غلاي يا حبي كله ** ) – مناقب المرحومة .. الله يرحمها قالت ما عندنا ما انقولو في ' منصور ' لكن ( كل شي ع النصيب *** ) .. كنا انقولو زمان : ( بنات الشرق للغرب و بنات الغرب للشرق ) لكن يا باتي توه .. كل حد قعد لاهي في روحه.
الساعة الآن ، العاشرة صباحاً ، نزل سائق حافلة ( فيتو ) قادم من الجهة الغربية ليشتري علبة دخان ، فسألته عن الطقس ، و ما إذا كانت السماء ما تزال ملبدة بالغبار ، فأجابني ليس هناك لا غباراً و لا شيئاً من ذلك ، و أنّ الطقس جميل منذ أسبوعين ، بدأ الرفاق يخرجون من الاستراحة و هم يتكاسلون ، و يتوجعون ( أه – أي – يانا علي يا بوي ) من جراء إعوجاج ظهورهم ، نتيجة للطريقة التي ناموا بها ، و صعدوا أولاً بأول إلى الحافلة ، كلٌّ في مقعده السابق ، أين السائق ؟ طلبنا من ' اسلومة ' أنْ يستعجله ، فخرج متباطئاً و هو يدخن ، و أخذ عشر دقائق كاملة حتى احتسى قهوته ، و جلس في قـُمرة القيادة :
- هو : صباح الخير يا عرب .
- الحاجة ' فاطمة ' : صباح الخير ..ع اللي امطيّب نومه .. مش علينا .. اللي كملنا ليلنا اسمور .
- الرُّكّاب : هههههههههههههههههههههههههههه .
- أنا : زعمك شنو جو العجاج يا حاج ؟ .
- هو : شنو قصدك ؟ .
- أنا : طريقك زينة يا حاج .. اربح .
- هو : يا ودّي .. لو مش عاجبك الجو ؟ .. انزل .
- أنا : كنك انقلبت علينا ؟ .. و نحنا في بنغازي .. امغير ايش نبو بس .. حايس فيها زمزكة .. بعد ايش اتقولي انزل يا اسطى ؟ .. بعد صوقرتنا معاك .. كنك ما قلتها و نحنا في إجدابيا ؟ .. و اللهي لو خاطرة عليا تبي اتدير الجو هضا .. راني نزلت غادي و روحت .
- الرُّكّاب : وسعوا بالكم يا جماعة .
وضع السائق الأغنية ذاتها ( خصيمي قاضي ) و أشعل لفافة تبغ ، جئت لأدخن مثله ، فصرخ :
- طفي الدخان يا شاب .
- أنا : موهو حتى أنت قاعد اتدخن .
- هو : أني صاحب السيارة .. و أني القائد .. و من حقي اندير اللي نبي انديرها .. طفي الدخان خيرلك .. راني انـّزلك .
- الحاجة ' فاطمة ' : و اللهي يا اوليدي انكان نزلت .. ننزل أنا و اسلومه معاك .. و اتردلنا افليساتنا يا سوّاق .. و تو نركبوا في سيارة أخرى .. شنو علا الله في شانك و شان كرهبتك .. هي الجنازة هلبتنا هلبتنا و ما نش مستعجلين .
- الركّاب : ههههههههههههههههههههه .
- أنا : كنكم تضحكوا ؟ و اللهي اللي زيكم ما ايترافقو .. و لا يمتشى معاهم .

- هو : باهي باهي .. خلاص يا احويجة .
انطلق السائق مسرعاً ، و بعد ربع ساعة ، فـُجِعنا بحادث مرور أمامنا ، ذهب ضحيته أربعة أفراد و ناقة اعترضت الطريق ، فأبطأ السائق من السرعة ، و عرض خدماته على المسعفين ، فشكروه و طلبوا إليه أنْ يكمل رحلته ، ثم دار حوار بين الركّاب ، أحدهم يلقي باللائمة على السائق ، و آخر على الناقة اللعينة ، و ثالث على الراعي ، ثم قام الراكب الذي بقرب السائق ، و يبدو عليه ، أنه طالب جامعي متعلم و مثقف ، بذكر معلومة خطيرة انذهل من هولها الركاب جميعاً ، حينما ذكر أنّ عدد ضحايا الطرق في ليبيا بلغ خمسة أشخاص بمعدل يومي .. ترحمت على الموتى و المصابين ، و وضعت صدغي على زجاج السيارة ، و شرعت انظر ناحية البحر ، هروباً من النظر جهة الصحراء ، التي فشلنا في أنْ نقهرها بالزراعة ، حتى لاحت أمامي مصفاة مدينة ( البريقة ) و الحافلة تمضي بسرعة قصوى ، أتخيلني في سفينة في عرض هذا البحر ، فلا حواجز للطرق و لا عجاج و لا خوف من الحوادث ، و حتى إنْ متنا غرقاً ، فسوف نحيا عند الله ( شُهداء ) لا أنْ نموت جيفاً ، بسبب تهور قوّاد هذه الحافلات الكذّابين ، الذين يسلبوننا أموالنا و أعمارنا .. قـُبيل أنْ نصل إلى مدينة ( البريقة ) بقليل ، رنّ نقـّال السائق بنغمة أغنية ( خصيمي قاضي ) ففتح جهازه ، و ردّ على المتصل : ( أيه أيه .. باهي باهي ) لم نعرف ما دار بينهما على وجهي الخصوص و التحديد ، لكني شمّمت رائحة الخيانة من طريقة ردّه و نظرته إليّ في المرآة العاكسة ، و قبل أنْ نصل بخمسة دقائق أخذت الحافلة يمين الطريق ، و توقفت قليلاً ، حتى انضمت إليها حافلتا ( فيتو ) أخريان من وراءنا ، فنزل سائقنا و سائقيهما ، و تحدثوا فيما بينهم ، و هم يختلسون النظر إلينا ، و بمجرد أنْ رجع إلينا ، ساق السائق لنا هذا الكلام : ( يا جماعة سامحوني ما نقدرش انكمل بيكم الطريق .. عندي حالة وفاة في إجدابيا و نبي انرد غادي .. معليش اركبوا في الحافلة الأخرى ) .. هكذا هم دوماً ، الذين يبدؤون المشوار بالكذب و الاحتيال .. إذن فقد باعنا هذا الخائن بربع قيمة أجرتنا – التي حدّدتها و أوجبتها ربع المسافة المقطوعة - للسائق الآخر .. نزلنا جميعنا ، و أعلمنا الطالب الجامعي ، الذي كان بجوار السائق بأنّ من اتصل بالسائق ، قد طلب إليه أنْ يعود إلى ' إجدابيا ' بعجلة ، لأنه تحصل له على مجموعة ركّاب يستعجلون السفر إلى ' مصر ' ما يعني أنّ أجرتهم أكبر من أجرتنا ، فاستنكرت عليه ، سكوته و صمته ، و كونه لم يخبرنا بذلك في حينه .. توزّع الرُّكّاب على الحافلتين الأخريين ، و صمّمت على أنْ أكون مع الحاجة ' فاطمة ' و حفيدها فهما ( عز الرفاقة ) و هذا ما حصل فعلاً ، إذ صعدنا في حافلة واحدة ، فجلست بجانب العجوز ' رجعة ' الراجعة من ' بنغازي ' إلى ' طرابلس ' ، بعد أنْ حضرت زفاف ابن أختها ، و لأنها كما أبلغتنا ، قد صمّمت أنْ تعود وقت الغداء ، و ضعوا لها ( قصعة رز بالخلطة عليها عشر لحمات ع الحلة ) لتتناولها في السبيل ، هي و ابنيها ، ( خير من مرطزة الاستراحات ) فدار حوار جميل و شائق بين العجوزين ' فاطمة ' و ' رجعة ' تناولتا فيه ، العادات و التقاليد و سبر الفرح في ' بنغازي ' و ' طرابلس ' و حنة العروس ، و يوم النجمة ، و ما إليه من حديث جميل بالفعل ، شنّف مسامعنا ، و زادنا علماً بتقاليدنا الشرقية و الغربية ، حتى وصلنا إلى بوابة ' البريقة ' و هناك أمرنا رجال الأمن بالنزول من الحافلة ، و طلبوا إلى السائق ، إنزال ما في السيارة من أشياء ، و قاموا بتفتيش حاجياتنا ، بما فيها حافظة الحلويات التي في ( قفـّة ) الحاجة ' رجعة ' التي صاحت فيهم : ( يا اعويلتي بشواش .. راكم اتدشدشولي الكعيكات اللي في الحفـّاظة .. قبل ما ايضوقهن الحاج ابشير .. و ايقولي مشيتي هجّيتي و هيّجتي في بونغازي .. و ما تفكرتيني و لا جبتلي معاك احويجة من غادي.. و بعدها ايحرم عليا المشي و لطلوع .. راهو غالية عليه حلويات بونغازي ) ثم فتحتها ، و وزعت عليهم كعكة كعكة ، ليحدرو بيها الشاهي ، اللي في برادهم لمشيط الموجود على سخّانة ريستون قديمة ، و بجانبه أكواب مختلفة ، منها ما هو زجاجي و منها ما هو بلاستيكي .. تركونا بعد ذلك لنمضي أماماً ، فكما يُقال : ( املا البطينة .. تستحي العوينة ) .. عدت و ألصقت صدغي بالزجاج ، متجهاً بنظري نحو البحر ، و مستمعاً بحوار العجوزين اللتين عادتا للخوض فيه لقرابة الساعتين ، حتى بانت عليّ مصفاة ( شركة سرت للنفط ) .. فتنهدت ( آآآآآه ) فردت عليّ الحاجة ' فاطمة ' : ' كنك اتجض يا باتي .. قيسك رايفت على مدينتك و مينتك ؟ .. نعطيك تشرب ؟ ) .. ( لالا .. سلامتك يا حاجة ما في شي .. ما خاطري إلا نشرب دخان ) .. فكثرة شرب الماء في الطريق له عواقب وخيمة .. و عند بوابة ' سرت ' أمرنا رجال الأمن بالنزول من السيارة ، فحاولت الحاجة ' فاطمة ' بحيلتها أنْ تصرف انتباههم عنا ، و أمرت الحاجة ' رجعة ' أن تعيد الكرّة : ( عطيهم من كعيكاتك ) فعلقت وراءها : ( سادهم الكعكة الكبيرة .. يا حاجة راهو كعيكاتك ما يلعبنش معاهم ) لم يقرّ للحاجة ' فاطمة ' قرار ، ففتحت الباب موجهة كلماتها لرجال الأمن : ( رانا جايينكم ابخيرنا و خميرنا .. و عليش اتفتشو في ادبيشاتنا .. دوبينا ليبيين ؟ .. اهو فتشو دبش الأفريقي هضا .. انكانكم رجالة ابصحيح ؟ ) .. ردّ عليها رئيسهم : ( باهي باهي يمي ) و أمر السائق باستئناف المسير ، استدرت برقبتي إلى المحرقة أو هي المصفاة ، و أنا أسرّ إلى نفسي : ( لنقنك يا حاجة فاطمة أخت ارجال .. ياريت عندك ابنية بيش ناخذها ) ثم ألصقت صدغي بزجاج النافذة ، لينتابني الهاجس ذاته : ( أتخيلني في سفينة في عرض هذا البحر ، فلا حواجز للطرق و لا عجاج و لا خوف من الحوادث ، و حتى إنْ متنا غرقاً ، فسوف نحيا عند الله شُهداء ، لا أنْ نموت جيفاً ، بسبب تهور قوّاد هذه الحافلات الكذابين ، الذين يسلبوننا أموالنا و أعمارنا ) .. انتبهت إلى خرخشة ( تشكتشكتشكتشك ) ما هذه التشكشكة يا ترى ؟ كأنني قد سمعت بها قبل هذه المرة ، أ تكون ( شكشكشكشة قِطار ) ؟ .. لالا من أين لنا بهذا القطار ؟ الذي لم أصعده في حياتي يوماً ، فلو كان عندنا قطار لما تعبنا كل هذا التعب ، و لقهرنا به الصحراء ، التي فشلنا في جعلها أرضاً خضراء ، ثم نحن لا نجري الآن على سكة حديدية ، بل على طريق غير معبدة ، ماذا هناك يا ترى ؟ أها هي الحاجة ' رجعة ' تخرخش الكيس الذي به ( قصعة الرز ) طالبة من السائق أنْ يتوقف بنا ، لنتناول الغداء معاً ، نزلنا جميعاً ، فأخرج السائق ( بريمس ) من السيارة ، و قامت بتسخين ( الأرز ) و حمّرت لنا اللحم ، و قامت الحاجة ' فاطمة ' بإخراج قنينة ( بيبسي ) و قالت : ( حدروا بيها .. و أنـّت يا سوّاق .. حدّر معاهم .. بيش اتحدر بينا الطريق ابسرعة .. سلّم أوليدي .. راهو كبدي انسحنت و طابت من هالطريق ) .
*** 
ما لهذه المدينة – اطرابلس – كلما اقتربنا منها ، انزاحت و ابتعدت عنا ؟ لكأننا في رحلتنا إليها ، نـُلاحق أسراب السراب ، فغنيت : ( مشينا مشينا مشيتنا و الطريق اطوالت / لناصر المزداوي ) .. ها هي طلوع النخيل تستقبلنا بها مدينة ' تاورغاء ' ها قد بدأت تبتسم لنا الطريق ، ها قد رأينا الإخضرار بعد جدب طويل – من إجدابيا إلى الهيشة - انفرجت سرائرنا ، نزلنا هناك ، و صلينا الظهر و العصر جمع تأخير .. و بعد ذلك واصلنا رحلتنا ، و قد عدّلت من اتجاه نظري ، و صرت أرمي به بعيداً إلى الأمام ، فما عاد يهمني البحر.
أصابني شيءٌ من السِّنة، فلم انتبه إلا إلى الحاجة ' فاطمة ' و هي تزغرد و تدربك على ( حكية نيدو ) - استجلبتها معها لتحفظ فيها بعض أشيائها - منشدة بصوت مبحوح : ( امشينا و جينا سالمين بريكة رب العالمين ) .. ( هيا يا باتي انزل .. طيب فينا وصلنا سالمين ).
نلتقي في طرابلس ، إذا كتب لنا الله البقاء و اللقاء بكم في الجزء الثاني .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( * ) : يروى أنّ الخليفة الراشد ' عمر بن عبد العزيز ' قد دعا له أحد الرعية ، بهذا الدعاء ، فأجابه : هذا هو الدعاء الذي لا طائل منه .. ' فلكل أجل كتاب ' .. و ربما نسوقه نحن من باب الرجاء أن من ندعو له به ، أن يكون من ذوي الأعمار الطويلة.
( ** ) : ذكرتني بأغنية لعلكم عرفتموها .
( *** ) مأثور غالباً ما يسوقه الليبيون كحق أريد به باطل ، فهو عندنا كما العبارة السوقية ( بين البائع و الشاري .. يفتح الله ) فهي تقال بمعنى الرفض.

تعليقات

  1. ماشاء الله عليك يازياد ننقنك مبدع وفارس
    العمروني

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اخريستو

من بنغازي إلى طرابلس

التراكم بوصفه مجازًا اجتماعيًّا وسرديًّا في نص تراكمات للكاتب زياد العيساوي