الأربعاء، 6 مايو، 2015

اطوالة

يمتلئ الكيس بالعملة السهلة يفرغها (اطوالة) في جيبي جاكته الجينز ذات الأزرار الصدئة، ويسقط المعدنية منها في جيبي مؤخرة سرواله المتمزق الأنسجة نتيجة احتكاكه بالمصطبات الجيرية والإسمنتيه، والمبقع بقطرات الشحم والزيت المحروق في محاولات من ساكبيها غير الراغبين في وجوده عندها لطرده من دون أن يعرفهم، مغبة جبروته.. يثب كغزال مرتفعا على كتفي أحد المزدحمين أمام الشباك ثم يتكئ كسندباد مفترشا بساط ريح الهواء وقدماه على الجدار وجبينه يلتصق بقفا أحدهم.. بالكاد تنفذ يده داخل الفتحة البوخوخية، نتيجة تدافع وتماوج الزبائن وما هي إلا لحظات حتى تخرج مكمضة وبداخلها التذاكر المتكرمشة.. يحتفي به أبناء شارعه وسرعان ما يمضي نحو البائع ليشتري لنفسه قرطاس رياضي وشكولاطة حليب امقزرة وحلواء حارة أح أح أح وزريعة أكثر من ثلثي محتواها ملح مر، ومستكة المجارة وشاهي كيس في كوب لكأنه صنع من منديل ناعم لا يصل به إلى الباب إلا وقد انسكب على قميصه.. يصمت أبناء شارعه ولا يعارضون، فإن هو أرجع لكل واحد ما تبقى من ماله شكروه- وندر حدوث ذلك- وإلا اعتبروه مكافأة يستحقها عن جدارة، فأغلب من اصطفوا في أول الطابور هم الآن في مؤخرته نتيجة التزاحم ولأن لا مثيل لاطوالة بينهم.. في داخل القاعة يجلس اطوالة وحيدا في الصف الأمامي ولا يقدر الجالس خلفه على أن يطلب إليه الانحناء قليلا أو الميل إلى أية جهة ولا يغري قفاه الممتد والمنحدر أحدا بصفعه، وحتى المشرف على القاعة لا يتجرأ على أن يأمره بإطفاء لفافته.. يمد اطوالة قدميه ويتزحلق بظهره على المسند الإيطالي الخشبي المغلف بالجلد حتى يظهر في هيأة جمل عاشورة، ويحتفظ بتموضعه هذا حتى نهاية الحفلة، حينها ينادي أبناء شارعه كلا باسمه بأن يعودوا إلى بيوتهم فقد أزف الوقت، أما هو فيصر على حضور الحفلة الثانية، بعدما ينتقل بطوله الفارع ورأسه الفارغ إلى الصف الأخير، وقد علق ساقيه على صدر الكرسي الشاغر الذي يتقدمه ليستمتع بمشاهدة الفيلم نفسه من الزاوية الأخرى.
صباح اليوم الثاني يزلق اطواله رؤوس أصابعه في جيبي بنطاله الذي نام به فينتشل منهما ما زاد من دراهم معدودة من البارحة ويستقل بهاالحافلة متوجها صوب سينما الفردوس بالوحيشي ليستطلع ما سوف يعرض بها مساء، ثم يعود في عجلة من أمره، وفي القيلولة التي لا ينامها يجتمع برفاقه من مجايليه والكبار والصغار، ويزودهم بأسماء عروض اليوم في كل دار بذاتها، يأخذون مشورته في انتقاء العرض المناسب للمشاهدة.. هناك وعند وصولهم لا يستثمر اطوالة بنيته الطويلة فحسب، وأحيانا يلجأ إلى الحيلة لما يتفق مع رفاقه عند سماع  صرخته (كبسة) أن يتقمصوا الحالة ويفرون ليخرج الجميع وفي مرات عديدة يفر حتى قاطع التذاكر فيكمش اطوالة الغلة وحاجته من التذاكر التي يوزعها على المعدمين البائسين الواقفين المنتظرين لرأفة من الموظفين ليدخلوا إلى الربع الأخير من العرض بالمجان.
يتمتع اطوالة بالمرونة في العضلات مع أن الرياضة الوحيدة التي يحرص على مداومتها هي كرة السلة، حيث إنه جعل من صندوق الكهرباء الذي يسفل نافذة غرفته المطلة على الخربة (بورتا) حائطيا غير معلق، في صباح كل يوم يرمي بعشرة رميات، فإذا دخلت هدفها عرف بأن الحظ سيبتسم له وسيكون اليوم سعيدا، ولكن إذا طاشت إحداها يستضيق بالا،  صباح ذاك اليوم أخطأت رميتان هدفهما ومع ذلك قرر ألا يستسلم لهواجسه فمضى وهو مفلس مبتغيا الركوب في الحافلة لم يجد في جيوبه درهما واحدا لكنه وجد صديقه مفتاح منهمكا في تصليح عجلته (بشكليطة همبر من مصنع سيدي خليفة) عرض اطوالة خدماته على مفتاح الذي يريد إرجاع كرسي الدراجة إلى مكانه بعدما انكسرت قاعدته المعدنية نتيجة الصدأ، أخبره اطوالة بأن الموقف يحتاج إلى حداد يعرفه، وسيأخذ البشكليطة إليه إن سمح له فهو في مكان بعيد، لم يعترض مفتاح على الفكرة ومن فوره نهض اطوالة على ترس السلسلة (البيدالي) وانتصب بطوله وفر بالبشكليطة نحو دور عرض الحمراء والنجمة والمجاهد وبنغازي ووجد بأن عروضها كلها قديمة، وقد شاهدها وأبناء شارعه من قبل، الذين هم الآن في مدارسهم.. اتخذ من طريق البحر منهاجا له في طريقه إلى الوحيشي وعند اللثامة زاد من سرعته ورفع يديه للسماء وفخذاه على المقود منتشيا بلطائف نسمة البحر ورذاذه، ومن حيث لا يدري، وطأت العجلة الأمامية مسمارا فانقلبت البشكليطة وانكسر هيكلها، تركها في مكانها بعد أن ركلها وهو يرتب هندامه.. التقط بعض الحصي وأخذ يستثمر مهارته في كرة السلة وهو يجوس خلال النخيل ويرمي عراجينها بالطوب ليساقط رطبا جنيا، فلاحت عليه أذنا حمار ضال حرون يلحس الرمل ويعطس الملح، حاول مغافلة الحمار ليمتطيه لكن الحمار أبى وأسقطه من على متنه في غير مرة، قرر ترويضه واستلزم ذلك منه قرابة الثلاث ساعات، وأخيرا نجح بعد أن أبرم اتفاقا مع الحمار على أن يكون ركوبه على هيأة التعزير وإلا أسقطه الحمار كما أتفق، فلم يعترض اطوالة لأن المهم لديه هو أن يصل إلى غايته في أسرع وقت ممكن وقد جعل من عود قصب اللثامة مهماز يوخز به الحمار كلما نقض الاتفاق وحرن عند رؤيته للسيارات.. ربط اطوالة الحمار عند المدخل بعد وصوله إلى سينما الفردوس متأخرا على غير عادته، ولم يتمكن من إعلام أبناء الجيران بعنون الفيلم، وحمد الله على ذلك حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ويليق بجلاله، لأن أحد آبائهم وبخه لإلهائهم عن دراستهم.
عند وصوله اكتشف بأنه لا يملك ثمن تذكرة الدخول، فعرض على الزبائن أن يحجز لهم التذاكر أعطوه ما أراد وبعد عدة مناورات وحيل استطاع الوصول إلى الشباك وخرج بها اقتطع لنفسه واحدة وجاء ليشتري السجائر والشكولاطة والحلواء والكاكوية لكنهم اعترضوه وأمروه بأن يرجع إليهم ما تبقى من أموالهم (انا عطيتك اجنيه املصق بلصقة جرح من عند راس امعمر،، انا عطيتك خمسين قرش عليه توقيه المحافظ ،، انا عطيتك عشرة اجنيه مرسوم عليهن عمر المختار ومن الجنب فيهن قبلة بروج حمر،، انا عطيتك خمسه اجنيه مرسوم عليهن قلب وسهم وحرفN،، وين الباقي يا عضاض،، أوووووووي،، وين الباقي يا عضاض).. هنا شعر اطوالة بأنهم استغلوه ولأنه يتمتع بمرونة في العضلات ومن ذلك عضلة اللسان، أراد أن يضعهم في ورطة فقال: (يا هو وين صاحب العشرة اجنيه اللي امخربش عليهن بزمالتو أمه يسقط معممممممممر ويعيش إدريس)، هنا اقترب أحد المخبرين الموكلين بمراقبة دور العرض ليستفهم الأمر، فانفضوا من حوله.. وضع اطوالة ما تبقى منها في جيبه وهو مبلغ جيد يكفيه للدخول إلى السينما عشر مرات على الأقل ويمكنه من إصلاح بشكليطة صديقه مفتاح.
أطفئت الأنوار وسرى العرض اليومي، ارتفعت الموسيقا الحماسية الإيقاعية مع تصفيق وتصفير المشاهدين مؤذنة بمشاجرة كبيرة للبطل يخرج منها منتصرا، ثم أنارت المصابيح بغتة على صوت موظف ينادي: "من اللي رابط الحمار بره؟" رفع اطوالة يده: "ايوه" وخرج ليفك وثاق الحمار المرتمي على جانبه وينهق، عند عودته، وجد أن العرض مستمر، فاحتج وخرج إلى مكان الاستقبال وطالب بإعادة ما فاته من دقائق، رد عليه أحد العاملين: "تو اتشوفه في الحفلة الثانية.. امغير خش توا كمل الفيلم وبعدين ساهل".. تسمر اطوالة في الخارج وأرجأ الدخول إلى الحفلة الثانية، كي لا ينقطع حبل انسجامه، في الأثناء سمع دوي سيارات الشرطة يقترب مختلطا بصوت اللكمات المنبعثة من ماكينة السينما والموسيقا التصويرية فشعر بحماسة من يجسد دور البطولة لما رأي صديقه مفتاح في أول سيارات موكب الشرطة وهو ينظر إلى الشرطي السائق ويشير إليه، راقب حركة شفتي مفتاح وهو يتكلم مع الشرطي من خلف زجاج السيارة وترجمها كالآتي "اهاوا اطوالة اللي سرق البشكليطة" فتح الشرطي باب السيارة ونادى في زملائه: "عرضوله عرضوله" أي اعترضوا طريقه،  لم يجد اطوالة بدا من الرجوع إلى الصالة في وسط هذه الجلبة، لم يعرف ما يفعل إلا أنه ركض بسرعة هائلة، وهو يقول "انعن شكلك،، شهدرت بيا يا مفتاح،، راهي همبر من مصنع سيدي خليفة مش روزايز" وبينما كان الجمهور يشاهد البطل يوجه مسدسه نحو رئيس العصابة حتى  قفز اطوالة في شاشة السينما القماشية واخترقها، والجمهور (يصيح اللي يحب النبي يصفق).
ولم يعثر على أثر له.
.....
زياد العيساوي
7/5/2015
فجرا

الأحد، 29 مارس، 2015

أعين وأنوف

أعين وأنوف:
لا أتذكر وجود باب بمصرعين أسودين من حديد، لا يشف من وراءهما ضوء ولا صورة ولا حتى خيال، بمحاذاة قاعدته مصطبة من عتبة واحدة إسمنتية متعرجة تضغطه ستة طوابق إلى أسفل، في الجهة المماثلة من المبنى يبدو مدخل آخر للخروج الطارئ عند ذروة الازدحام به باب حديدي أسود أيضا، جعلت له سطيحة تحمل خمسة أعمدة بينها مسافة تسمح بالكاد لمرور اليد إلى الداخل، تشخص عدة مقاعد خشبية من لوح فاخر غرست في مساندها وإلى أعلى علامة من وراء قطعة بلاستيك شفافة مكتوب بداخلها (milano) على مساند هذه المقاعد لطالما ارتخت الأجساد ومدت الأقدام على حواشيها في استهتار وعنجهية، لا تنتهي إلا عند تسلل المشرف (صاروخ) القابض على مصباح يدوي (بيلة) يبهر الأبصار في عتمة المشاهدة والمتعة.
في وسط الواجهة ثمة باب أتذكره بعرض أربعة أمتار مثبت على سكة ينزاح مصراعاه إلى اليمين واليسار محدثا فارقا في المنتصف، يلج من خلاله القادمين، في لحظة الدخول، يقابلك باب خشبي بمقابض ذهبية يجلس أمامه عامل إلى جانبه صندوق خشبي يرمي في عمقه قصاصات التذاكر، وعلى يمين المدخل ثمة يافطة كهربائية تلصق عليها الأفيشات للأفلام التي ستعرض بعد إسبوعين، وإلى الشمال ثمة سلم ينقلك إلى الشرفة مدفون تحت هذا السلم ذي الجوانب الخشبية والعتبات الحجرية كشك صغير، يبيع صاحبه الكاكاوية المالحة الجالبة للعطش من أول حبة تقرمشها وكراميلي وبسكويت الشمعدان من إنتاج مصنع كانون بالرويسات ومستكة نعناع يابسة يجلبها المهربون من تركيا لتباع بربع معمر آنذاك.
تجد نفسك تمر في أرجاء ردهة الاستقبال لبرهة من الزمن، لتأخذ فكرة عن الفيلم الذي سيعرض في الفترة القادمة، بعد أسبوع وفي الغد وبعد شهر، تسجل المواعيد في ذاكرتك إن كانت نشطة وشابة، وبعد ذلك تتقدم ناحية شباك التذاكر لتشتري تذكرة دخول إذا لاقى ملصق الفيلم المعروض اليوم استحسانك، عندما يقتحم وجهك الصالة المنحدرة يتسلل إلى أنفك عبق الخشب الإيطالي المعتق في المقاعد الوثيرة المرقمة من جوانبها كقواطع (أ ب ت ث ه) وفي أعلى كل كرسي تجد رقما مكتوبا بالأسود ومحاطا بهالة من ذهب اللون، تأخذ الصالة في الانحدار والضيق شيئا فشيئا حتى تتصير نهايتها في عرض الشاشة الماكثة وراء ستارة من قماش بني سميك.
عند جلوسك تضع إصبعيك في أذنيك حذر سماع أغنية (خطاوينا في درب المجد/محمد حسن) لأنك كنت قد تركتها وراءك في الإفطار الصباحي بالمدرسة وبتلفاز ومذياع البيت وفي فترة الاستراحة ما بين شوطي مباراة النجمة ضد التعاون في مسابقة الدرجة الثانية المدارة قبل أن تشرب شاي الظهيرة في ملعب 28 مارس، وبمجرد أن تنطفئ الأنوار تطلق العنان لهما وتستمخ بالموسيقا الصاخبة والتصويرية للأفلام القادمة (البروفا)،
في لحظات الظلام وسماع جهاز التشغيل وقد سرت فيه الكهرباء تشعر بأنك مثل من يجلس في طائرة ينصت إلى أزيز محركاتها ويستعد لرحلة بزمن الفيلم.
لهذه المقاعد المرمية والمقلوبة الآن ويعلوها الغبار وينسج العنكبوت على أقدامها الحديدية الصدئة الشباك، حكايات طويلة وسحيقة وذكريات جميلة، فقد كان كل واحد منا يختار لنفسه مقعدا منها ولا يطيب له المقام والمتعة إذا وجد غيره جالسا في محله، كنا نخدش ألواحها وأسفنجها بأنصال مفاتيحنا كاتبين عليها حروفنا وأسماءنا، هي اليوم لا قيمة لها وما مكوثها إلى اليوم في هذا المكب إلا لتكاسل من كلف برميها، وإلا صار مطعما آخرا بفعل معتد.

دور العرض مثلها مثل المطاعم تقدم خدمات للزبون، فذاك الباب الأسود الذي لم أتذكره صار مدخلا لمطعم حميد الذي انتقل من وسط البلاد بسبب الحرب ليجدد نشاطه وحرفته بسينما الهلال في البركة، فجعل من اليافطة الخارجية للعرض القادم المتعامل معها بالأعين نافذة نافثة لأطعمته يتعامل معها بالأنوف.

الأحد، 22 مارس، 2015

ذات عشية في سوق العشية


طيور على أشكالها تقع، حمام على أشكاله يطير، حيوانات على أشكالها تصدم، باعة صحون باعة صابون وأحذية وملابس باعة قطع غيار وغيار أطفال، شامبو صانسيلك وبانتين وشامبو تركي علبته كبيرة ورائحته مثل رائحة بول أردوغان، حبوب للعصافير والديوك البشرية التي ترفع اﻵذان ولا تصلي، قطط مستوردة لا تتمتع بحاسة المواء، أمواس حلاقة أمواس بقر سكاكين مطبخ ملاعق معالق ألبسة، أقفاص ومعدات كهربائية ومستلزمات بناء.
(يفتحلك الله) هناك لا تسمعها، ففي سوق اجنيهين الكل يبيع ويبتاع، سيارة نصف نقل تصل لتوها محملة بأكياس القمامة، وما أن تفرغ شحنتها حتى يأتي الحارق ليشب فيها النار، في لهفة من مفتشي الروبابكيا، شعلة نار قدحت في طرف سرير خشبي، أب وأبناه يسحبانه من الجهة اﻷخرى فوق ربوة من النفايات لا كمامات على أفواههم يتنشقون الرداءة، بين السديم يلوح خيال شخص حاملاً في يده دجاجة توقوق بينما طفلته تطلق فرحة رنانة "الدجاجة دحت يا بابا".. ومن هناك يبدو شبح بني أدم غائصاً وغائراً بين بقايا ثلاجات وإلى قربه مسن أسمر يتحسس باباً حديدياً مُقتلع من جدار بدهان أخضر، يفصح عن أنه كان لمؤسسة حكومية لطالما أُغلق في وجوه المواطنين، فعادة ما يكون للمؤسسات من مثل هذا النوع عدة أبواب في جوانبها وواجهتها وأخر للطوارئ حين تزلزل الطرقات الباب الخشبي لمدير عام وهو منهمك في مناقشة خطط العمل مع سكرتيرة بلهاء تدعك وتعلك لوباناً في حجم مضغة خبز، فتحدث فرقعه من بالون يلتصق على شفتيها المُسوّكتين بسواك حنائي يخضوضر على اللسان، فيفر من ملاقاة المطالبين بإنهاء معاملاتهم اﻹدارية، نعم فقد جرى الدأب أن توصد هذه اﻷبواب جميعها ولا يفتح منها إلا باباً واحداً مغاليقه في جيب غفير قاس.
يُسمع دوي صليات على بعد بضعة كيلو مترات، ترى منها ومضات التنوير فلا يهتم أحد بها، عند جزيرة الدوران تسمع هتافات متظاهرين تطالب بدعم الجيش والشرطة غير أن عدد الذين في السوق أكثر منهم، في مبنى مولد الكهرباء المفقود ذي الباب المفتوح على مصرعيه لك أن تتسلى بحياة الحمام فأحدهم يمكث هناك يأتي عند لحظة العمل بالسوق فيفتح الباب لزبائنه ليختبروا ما سوف يشترون من حمام من ناحية نشاطه في الطيران والتكاثر وإطعام فراخه والذود عن عشه المبتني في جالون مُعلّق في سلك المصباح الكهربائي المشدود من وسط سقف الغرفة المتشقق نتيجة صدمة جولاطينة في أيام تحرير الكتيبة، والمظلمة إلا من شعاع شمس العصر والشفق، تتنوع صنوف الحمام لدى الحمائمي فمنها الداجن والطائر وتتعدد عنده التسميات خنافر هنداوي مقطوم فرفاله مقطوم هللاهللا مالطي ثلوثي نيسي شكولاطي امسرول عراقي زلمي، هو لا يبيع بمنهج المزاد العلني، أزواج الحمام كلها تعني له الكثير فلا يفُرّق بين الزوج وفراخه يمنح المشتري قسطاً من الوقت لمعاينة ما تقع عليه عيناه ويودّ اكتساباه، يجيب عن كل سؤال ومن ذلك عمره وكم باض في حياته مرة، وفي يده حفنة من قمح تسمعه وهو يشترط على الزبون أنه سوف لن يعيد الحمام إليه إذا عاد بعد مضي ثلاثة أيام من بيعه، يسأله شخص من خلف الازدحام: كم عطو فيه؟ لا يجيب..يسأله آخر: ابكم؟ يرد برقم من الدنانير ثم يسهب: هذا الزوج -بعد أن يمسك برجلي الذكر بين يديه ثم يشده من منقاره إلى أسفل فيحرك جناحيه-أرأيت الانحناءة في أعلى منقاره في إشارة وإمارة إلى أنه يطعم فراخه وكثير التفريخ ثم يأتي بأنثاه ويشدها بالطريقة ذاتها غير أنه يدخل أصبعه في مؤخرتها ليتحسس بيضة على وشك النزول فيما تغمض الحمامة عينيها من شدة الوجع ويطلب من المشتري أن يتأكد بنفسه فلا يخجل من إجراء التجربة، ثم يطلق الزوج ليطيرُ حول مبنى الكتيبة فيما الزبائن يختبرون مدى شبابه وقدرته على التحليق وعند وصول الزوج يدخل إلى عشه البلاستيكي فيسد الفتحة بيده ويسلم البضاعة للزبون وهو يذكره: "بعد ثلاث ايام ما دخلنيش بيك.. قصّبه أو رمّله" ويعطيه حفنتي قمح فوق البيعة.
عربة أخرى تأتي مُحمّلة بالنفايات تصعد كمركبة عسكرية مجنزرة بين النفايات حمولتها عبارة عن أوراق ونماذج إدارية مما تُمهر بختم أخضر وفي ذيلها عبارة (لا مانع) سرعان ما تبتلعها النيران بمبالاة من اﻷب وطفليه الذين لم يجدوا فيها ما يستحق عناء التفتيش والتقليب..
"نبو جيش ونبو شرطة..بنغازي راهي في ورطة" تصيح حناجر المتجمهرين عند الجزيرة بهذا الهتاف.
لا نساء في سوق جنيهين مع أن هناك أصنافا عديدة من البضاعة تلاقي اهتمامهن في اﻷصل كالمكايير وأصباغ الشعر ومحسناته وأنواع كثيرة من كريم البشرة والجلد، عجوز سمراء متوشحة بقماش أسود عليه وردة متفتحة صفراء تفترش اﻷسفلت عند المنعطف حيث باعة المواسير PPR والمواد الغذائية التي شارفت صلاحيتها على الانتهاء، تعرض شفرات حلاقة ومعجونها أمشاط معالق مفاتيح زريعة بيضاء لب كاكاوية موبايلات مستعملة لم يعنيني شيئاً مما عندها سوى أكياس بخور قالت لي بلكنتها "خوذ لأمك منه" لم آلف نوعه من قبل فرددته عليها بحجة إننا لا نستعمل هذا النوع قالت لي (.....) لم أتبيّن ما قالت فثمة صوت انفجار ضخم ضج به المكان راقبت وجدت الناس غير مُبالين لكأنهم اعتادوا ذلك واختلط صوته بتصفيق الناظرين إلى زوج حمام منطلق من تلك الغرفة يحلق في مساره المعروف.. رددت البائعة جملتها: "جربه.. جربه.. ولو ما أعجبكش رده"..ما أردت أن أكسر بخاطرها فقبلت العرض ودرت إلى الوراء لأجد سيارة أخرى آتية بمخلفات عبارة عن لافتات خشبية في وسطها حامل من لوح تم جمعها بعد انفراط المظاهرة وقد صعدت بذات الطريقة، عرض الحارق وأبناه البضاعة على بائع الحمام علّه يستفيد منها في صنع بيوت لطيوره، بمقابل ألا يتأخر فيلتهمها الحريق، عند ذلك فكرت في قرارتي ربما لن أجد البائعة غدا لو لم يعجبني بخورها فرميت-للتجربة- بحفنة منه في كوم الحريق فتناثرت في الأرجاء رائحة لم استطيقها، رجعت إليها فورا وقد عزمت على ألا أكسر بخاطرها فقررت أن أستبدله بشيء آخر من لدنها وكانت شفرات حلاقة هندية المنشأ.. انطلقت صليات أخرى من مكان بعيد لتصيب زوج الحمام فتسقطه أرضا وهو على مشارف الغرفة فانطلق عويل البائع وهو يصرخ: "انعنجدكم..... ابعين الزززح" وأوصد أبواب غرفته مؤذنا بنهاية العشية.
عند عودتي حلقت لحيتي ورسمتها كقفل، رميت مفتاحه في أتون المحرقة.

الثلاثاء، 21 أكتوبر، 2014

المجاملات مشاينات على حساب الوطن

ثمة مثقف أخبر صديق مشترك بيننا بأن "زياد العيساوي" متطرف فيدرالي، وهو من أصل للفكر الفيدرالي وحقوق برقة، وهو من يتحمل تبعات هذا السلوك الذي وقع فيه نشطاء كثيرون.
بصفتي من منظري الثورة قبل اندلاعها، وهذا ما لا تستطيع أنت ولا غيرك جحوده، فأنا أدرك بأنها عملية إزالة وإزاحة لأجل البناء، ولما كانت منظومة القذافي خربة ومنخورة بالسوس، وجب هدمها، بعد مشاركتك يا أيها القوّال في عمليات اﻹصلاح والترميم، التي سبقت الثورة وفشلت بعد خطاب سيف القذافي، الذي اعتبر فيه والده خطاً أحمر، وهو من يشكّل ما نسبته 99% من الحلّ في ليبيا، مع أنه بنظري أصل المشكلة والانهيار الذي عصف بليبيا منذ اقتلاعه لدستور الاستقلال.
وما استبعاده لنسبة 1% إلا لحفظ خزانات أمواه وجوهكم، لأنه يعرف بأنكم ستحمدونه على هذه النسبة الضئيلة التي منحها لكم.
ولكوني دارساً للبعد الاجتماعي والتاريخي ولطبيعة الشخصية الليبية، أدركت بأنّ الفيدرالية التي كانت ميثاق تأسيس الدولة الليبية والعقد الشرعي لها وبإلغائها ينفرط عقد تأسيس هذا الكيان المُسمى بليبيا، لذا كنت من أوائل من التفتوا إلى هذا الطرح والتفوا عليه، فنحن لسنا حديثي العهد به أو بالأحرى إنّ ليبيا لا تجهله فهو من ابتنت على أساسه، لجملة هذه الأسباب كتبت في غمرة تعبئتك للجماهير على القنوات الإخبارية أنت وكثيرون من زمرتك بالوحدة الوطنية وتغنيكم بالثوّار الأشاوس ورحلاتكم المكوكية في أرجاء البلاد لتوثيق ملاحم اللحمة الوطنية والبطولات، كتبت مقالتين في الشهر الأول لثورة فبراير، هذان عنواناهما:
1- يا أيها الثوّار.. لا تتجاوزوا رأس لانوف.
2- فلتزدهر الحياة في برقة بالحريقة والبريقة.
لقد كانا عنوانين مستفزين لكل من كان يستمع إليك في القنوات وأنت تمتصّ مخاط أنفك بعد كل وقفة وتلوي رأسك، وجاء التأكيد على صحة ما قدّمت لعنواني في المقال الأول بعده يومين فقط، أي بعد الخيانة التي تعرّض لها ثوارنا في بن جواد، أما الثاني، فأكدته سياسة القذافي بموافقته على التقسيم شريطة هيمنته على منشآت النفط في البريقة.
لو كنت متطرفاً لما فزت بمسابقة أفضل كاتب على الفيسبوك مقاسمةً مع ثلاثة نشطاء، لاسيما أنّ هذه الجائزة التي لم استلمها حتى الآن، مُقدمة من منظمة طرابلسية، فكيف تمنح جائزة لكاتب تراه يعادي مدينتها؟ أليس لك عقلٌ لتحكم به؟.
الفيدرالية بالنسبة ليّ نظام إداري يساوي بين الأقاليم، فيمنع التغابن بين الليبيين، ويمنح الفرصة للتنافس والتسابق لتقديم الأفضل بينها، ليس إلا، وبعدما انزلقت البلاد في زيت الفوضى الملوّث، وأضعتم علينا فرصة استرجاعها- ونحن نقف على خط البداية- لصدّكم لهذا الطرح، لم أغيّر من منوالي، وصار همّي هو إعادة الهيبة لها، ولم أعتقد في يوم ولا ساعة ولا دقيقة ولا ثانية ولا برهة، بأن كل ما دفعها إلى ذلك هو التنافس السياسي، بل الجهوي والحدة الظاهرة في هذا التوجه الخطير، على الرغم من محاولتك تبديد هذا الواقع، فالفيدرالية ليست هواية تــُمارس بل هي في مُعتقدي حلاٍّ جذرياً لإنقاذ البلاد، أعيد وأقول بعد إضاعتكم لهذه الفرصة، حاولت البحث عن وسيلة معتبرة للمّ شتات البلاد، لذا ارتأيت فكرة ليبيا أو الدولة النواة بالبحث على أكثر بقعة آمنة لتتأسس على أرضيتها ليبيا ومن ثم الانطلاق بها للوجهات الأربعة، واستبعدت أن تنهض هذه الدولة دفعة واحدة بالنظر إلى خارطتها المربعة الشاسعة.
وقد استغربت محاولاتك الدؤوبة ومبادراتك لمدّ وصلات الأملاح في جسد المؤتمر الوطني الناحل والضامر بعد انتهاء صلاحيته، خصوصاً أنّ مبادرتك جاءت عقب اجتماع الكويفية الفيدرالي البرقاوي المشهور بيوم واحد، وعملت على أن تركّز الصلاحيات السلطوية أكثر في طرابلس، على الرغم من معرفتك المسبقة بأنها لم تكُ آنذاك صالحة لهذه المهمة، وقصياً عن الفيدرالية لو كنت تؤمن بوحدة البلاد لرأيتك تطالب بنقل الحكومة أو أي مظهر من مظاهر السلطة إلى أية منطقة في برقة، لكنك لم تفعل ذلك، وكنت أول القافزين بخطوة مزقت بنطالك إلى طبرق، وأتيت بعيد ذلك تصف نفسك بالفيدرالي، فيا لاستغرابي من أفعالك.
الدور التوافقي الذي تمارسه بمصاحبة أصحاب التواجهات كلها يسير عليّ تطبيقه، لكن لا تحلو لي ممارسته، فالمجاملات على حساب الوطن في نظري (مشاينات) وقبح، لست أهوّل الأمر، لكن عليك أن تعي بأنّ تبعات الخطأ السياسي هي دخان ونار وقتل وسرقة وظلم وتغابن ونزع الثقة بين صفوف الشعب، وهذا ما وصلنا إليه بعد معاداتك للفيدرالية ولفكرة الدولة النواة في برقة ومنها إلى سائر البلاد، وهذا ما لا أسامح فيه ولا أتغاضى عنه.
ربي يسعدك ويبعدك.. ولا تعد لنميمتي مرة أخرى، فقد سبق أن منحتك الفرصة لتردّ عليّ بالحجة والعلم في غير تدوينة، لكنك آثرت الصمت.

الجمعة، 10 أكتوبر، 2014

حركات

-تسمّر إزاء لوحة تجريدية، فانكسرت الألوان على وجهه، حتى أدّمى.
-جاور مُجسَّمها في الميدان، لم تقلع الطائرة، فانبطح ورأسه إلى أعلى.
-راقب النفاثة حتى ابتلعت الغيمة عينيه فمطرتا ملحاً.
-شرع يفتح مصرع الباب، فانغلق من الجهة المقابلة.
-وقف تحت صورة الزعيم وهو يقبض كفّيه، تسلق الماسورة علّه ينتزع منه ذاك الشيء المسلوب.
-صهلت الخيول وكسرت السياج فارة من حاستها السادسة، فيما ظلّ صاحب المزرعة يجهز الأسرجة.
-سمع انطلاقة الصاروخ ولم يبلغه صداه، خرج يصرخ بتقطع:" بووووووووووووووووم بوووووم بوم "ويداه تضمان أذنه، والأخرى بها سماعة موبايل.
-تذكر بأنه (راقد ريح) وضع يديه في جيبي بنطاله (شحّط) وجنّح قماشتيهما وطار تحت الريح.
-نعس ولم تغمض عيناه، وضع مرفقه عليهما واختبأ في ماسورة الخيال، وصاح مردداً وهو يعد (1 -2 -3) النوم خلف الجدار ليجرفه السبات.
-صبّ الشاي في الكوب الآخر، انحنى مع الخط الذي رسمه الشاي المصبوب في الهواء حريصاً على عدم تساقط قطره منه على الأرض، أعاد النقلة العكسية فأضاع مقدار ما التصق منه بالجدار الداخلي للكوب الثاني.

فبردت شاهيته للشاي.

الاثنين، 22 سبتمبر، 2014

قراءة في نصّ من بنغازي إلى طرابلس للكاتب زياد العيساوي

قراءة في نصّ (من بنغازي إلى طرابلس للكاتب زياد العيساوي)
بقلم الأستاذ: عبد الله أحمد عبد الله 
***
من طرابلس إلى بنغازي .. كل من يشرع في قراءة قصة هذه الرحلة يعرف أن العيساوي له موضوع إداري يريد أن ينهيه في عاصمــة الروتيــن والمركزيــة المقيتة طرابلس . وإلا فما الهدف من هذه الرحلة . سنرى ..!!
(في البدء كان الكلمة) كما جاء في الإنجيل . وكما جاء في فن الإلقاء (براعة الاستهلال) , وكما خلق الإنسان عجولا فقد صرح العيساوي انه يريد أن يعرف آخر هذه الحكاية الدنيوية , مدام لكل شيء بداية ونهاية , فهو لا يحب الانتظار , وكان هو آخر الصاعدين إلى الحافلة وقد طال انتظار الركاب لآخر الصاعدين . 
هكذا انطلق زياد العيساوي عبر رحلة برية إلى مدينة طرابلس , ومنذ البداية تعجبك أشياء يستعملها قلم زياد ..فمثلا استعمال لفظة ( واللهي ) بالياء بدلا من الكسرة (والله) حتى لا يضع لفظ الجلالة في غير محله الصحيح , وقد أعجبتني الفكرة وإنا إذا فعلتها بعد الآن فستكون بتدبير من الأديب زياد العيساوي , ولكنه يعود فيستعمل السكون بدل الفتح في لفظة (لله) وهي لفظة عربية كريمة لها أصول أمازيغية مستعملة حتى الآن , إذا لنقرر أن اللغة الأمازيغية ما هي إلا لهجة من اللهجات العربية القديمة التي ألغاها الإسلام عندما اختار عليها لغة قريش . وحتى الآن يستعملون لفظة ( لله أو للا ) في مناطق من المغرب العربي . بمعني السيدة , وعلى لغة زياد الموسيقية نذكر بأغنية ( للا فاطمة ) , أعود فأقول استعمل زيادة السكون (لله) بدل الفتحة (للا) لأن لفظ الجلالة يناسب هذا المقام .
زياد العيساوي ..أديب بطبيعته , وهو أديب درامي بامتياز . فهو قادر على صياغة الحوار , ولابد أن تستفيد منه الكتابة الدرامية يوما ما . وهو قدير أيضا في صياغة السيناريو المناسب للكتابة التلفزيونية والسينمائية . وبالتأكيد منهما معا تتكون الكتابة القصصية أصلا ولكن تبرز عند العيساوي بشكل ملفت فتجد نفسك أمام مشاهد درامية متكاملة .
يؤكد زياد في أكثر من موقع لرحلته بأنه يميل إلى الوطن الواحد , ويكره كل ما يمت إلى الجهوية بصلة , حتى تمنياته بالزواج من بنات الغرب الليبي متمثلا بالقول الشعبي بنات الغرب للشرق وبنات الشرق للغرب .
وأسلوب زياد سواء العامي أو ما هو بالفصيح يتداخل أحيانا , فأنت تراه يستعمل مثلا عبارة مثل ( ليس هناك لا غبار ولاشيء من ذلك ) وهو تعبير عامي . لأن اللغة العربية لا تستعمل التوكيد في النفي , وهو ما يبدو في الجملة لأن العامية تقبل مثل هذا وإلا لقال ( ليس هناك من غبار... ) مثلا , بدل تكرار كلمتي النفي (ليس ولا) في جملة واحدة .
أما المخزون الموسيقي والغنائي لدى زياد فحدث ولا حرج . فمعرفة الزميل زياد بأصول الغناء والإبداع فيه , وثقافته الفنية وحسن اطلاعه على المخزون الفني الليبي والعربي يبرز واضحا في ما يكتب وقد حفلت رحلته (من طرابلس إلى بنغازي) بحديث الطرب والغناء في أكثر من مكان وبتوظيف يدل على ذكاء , فكل أغنية جاءت في مكانها الصحيح . 
بدأ حديثه الغنائي منذ الوهلة الأولى عندما كان يعبر عن حبه للنهايات معتبرا البدايات لا أهمية لها وكذلك الوسط . ليصل إلى النتيجة مباشرة فقال : لواني اعلم خاتمتي ما كنت بدأت , وما إن انطلقت الرحلة الطويلة حتى أبدى تبرمه مستندا على قول المزداوي غناءً : مشينا مشينا والطريق اطوالت .وعندما اسرع السائق بناء علي غضب الراكبة اتكأ ثانية علي شادية وهي تردد سوق على مهلك سوق .
نشتم رائحة الوطن الواحد وكراهية الكاتب للجهوية , التي عبر عنها في أكثر من موقع من رحلته , وما إن عرج على مخزونة الغنائي حتى كان عادل عبدالمجيد حاضرا , ليحول أغنيته : لا تقوللي شرقي ولا غربي أنا عربي , فقال زياد ( أنا ليبي) .
سخر من أغنية تونسية ذات كلمات دموية عن مطربة تبحث (عمن يطول وريدها) , ومنها تحدث عن تصرفات أم كلثوم العبثية المشهورة دائما بمحاولة التحكم بطريقة عبيطة في المؤلف فتعدل له الكلمات وكذلك الملحن الأمر الذي حرمها من أعمال كبيرة كالربيع عندما امتنع مأمون الشناوي عن تعديلها وحملها للموسيقار العالمي فريد الأطرش , وتصرفها هذا كان حائلا بينها وبين التعامل مع الموسيقار الكبير مع أسباب أخرى , وأشار كيف أن المؤلف السابق حول أغنيته الدموية إلى رثاء لصدام حسين .
للكاتب زياد العيساوي القدرة علي التوليد والابتكار من الفكرة الصغيرة . يبتكر من الحركة ومن الجملة , ورأينا ذلك أكثر من مرة عبر النص , ففي الجملة الحركية (طق طق) تتداعى الأفكار عنده فيقدم الجملة بأكثر من ثوب , وكالعادة لابد وأن يمر بذاكرته الغنائية القوية فيروي شيئا عن أغنية (يطق القلب) وعن مطربها وشاعرها وملحنها .
في مخزون معرفته بأنواع الغناء والألحان الشعبية يستغرب ما سمعه من تسمية (أغنية طرابلسية) وتساءل هل حقا توجد أغنية طرابلسية , لم تسعفه الذاكرة بشيء من هذا وإنما يعرف أن هناك غناء مرسكاويا من مرزق , أما طرابلسيا فلا يذكر , لذا أشار بصراحة انه لا توجد أية إشارة إلى تفرد الأغنية الطرابلسية بأية صفة تميزها كما في المرسكاوية مثلا , وتقوده خطواته إلى محل الفنان سلام قدري .
لم يشأ أن يسأل الفنان سلام قدري عن قصة الغناء الطرابلسي , ولكنه لم يسأل سلام قدري نتيجة لصحته المتدهورة , وأحسن أنه لم يفعل , لأن سلام قدري فنان متميز تلحينا وغناء , إلا أن ثقافته لا تؤهله للرد على مثل هذا السؤال المهم , وإذا أحال زياد سؤاله إلى الفنان الموسيقار إبراهيم أشرف فسيجيبه على الفور بقوله : إن عقلية سلام قدري لا تغادر حانوته !! وسيضيف : لا توجد أغنية طرابلسية , هم بتصرف عنصري يريدون أن يقولوا ذلك , الذي كان له دور مهم في نشر الأغنية في تونس وطرابلس هو (بشير فهمي فحيمة) , وهو فنان فزاني من الجنوب , وهذا سبب تجاهل هذا الرجل عندهم في طرابلس , لماذا ؟ لأنه ليس اطرابلسيا , للفنان بشير فهمي بعض الأغاني في طرابلس منها لحنه لأغنية (ريدي اليوم باعثلي سلامه) , وأغنية أخرى لنوري كما ل .
ويستمر زخم الغناء في رحلة زياد , فهاهي الفنانة عبير يسمعها في الصباح وهو يغادر الفندق إلى (مطعم خيري) تقول عبير (يا صبح لافي لفيت بخيرك) , وقد ذكرته بأغنية المساء التي سمعها عندما جاء مساء إلى الفندق , وهي لحن فؤاد حافظ , وبالمناسبة هو ملحن فلسطيني وزوج لعبير تقول الأغنية : الليل مهما يطول والشوق مهما يزيد .
وقبل أن يغادر زياد طرابلس وفي عودته للفندق يجد المدير يستمع إلي عبير تغني (حكايتنا يا قلب غريبة) , وأصر زياد أنه ليس بغريب عن عاصمة بلاده .
بسبب المركزية اللعينة كان لابد للسائق أن يستغل الرحلة فيحمل حاجيات متبادلة بين سكان بنغازي وسكان العاصمة , وعند الحديث عن الحاجيات التي يحملها السائق وتكرارها وكثرتها يستطيع الكاتب أن يعطي لمحة عن مشاكل المركزية .
لاشك أن الحوار مع فتاة الحجز مكتوب بدقة متناهية , وقد عاد للحديث عن الفكرة عندما أشار إلى أنه رمي الكارت الذي أعطته له الفتاة وفيها رقمها بخط اليد من شباك السيارة وهو في طريقه إلى المطار , ليشير بذلك إلى الموضوع ولكن بحجم المسؤولية الوطنية 
لزياد رأي متعسف عن التاريخ والآثار عندما رفض مشاهدة متحف السراي , يبرر رأيه بأن الغربيين قد زوروا الكتب المقدسة , فكيف لا يزورون التاريخ , صدق زياد , فالقرآن الكريم سجل لهم هذه الحقيقة بقوله : (يحرفون الكلم ..) وأيضا (إن التاريخ الموجود أغلبه لا يمثلني , بل هو تاريخهم في بلادي , فأنا لا أريد أن أهتم به) وصاغ زياد الفكرة بشكل حديث عندما طلب منه الطلياني أن يصوره وخلفه أثر من آثارهم , فأعاد له الكاميرا معتذرا , فتولى ذلك أحد التبّع الذي زاد من إكرامه للطلياني فقدم إليه قطعة من الشيكولاته .
ويوم الجمعة انطلق زياد لأداء صلاة الجمعة فاختار مسجدا قديما , والكل يتوقع أنه سيقول إنه جاء ليشتم عبق التاريخ الإسلامي , ويشاهد أثرا من الآثار الإسلامية القديمة التي تركها أجدادنا نحن , أو ليشاهد العمارة الإسلامية القديمة أو ما شابه ذلك , ولكنه فاجأنا بشيء آخر جميل وراق , مناسب للحدث وهو الصلاة الجامعة , فقال : إنه يحب الصلاة في المساجد القديمة , ويفضلها عن سواها , لأنها ذكر فيها اسم الله أكثر من المساجد الحديثة , وهذه لعمري لفتة رائعة .
وفي إشارة عابرة لمساوئ الحضارة التي تطبع الأفراد بطابعها حتى يصبحون هكذا , فيلهثون وراء المصالح المادية , وتصبح العلاقات الإنسانية مرتبطة بالمصلحة فقط , ولن يتحدث معك من يعرفك إلا لمصلحة , وسيكون اللقاء سريعا حسب المصلحة فقط ..وصف لقاءه بأديب طرابلسي دعاه إلى الشاي في مقهى , ولكنه هو الذي دفع الحساب , السبب حضاري بلا شك , فهو يعيش في مدينة بنغازي التي مازالت فيها تقاليد البادية , وتتميز بالكرم الذي يختفي عادة مع تطور المدينة وانتشار المظاهر الحضارية , حيث يصبح الفرد يهتم بالأشياء العملية , ولا يهتم بالعلاقات الشخصية . 
ذكرني هذا بعديل ابن عمي عندما قابلني في زليتن في عزاء عمي , وعندما عرف أنني أكتب السيناريو تمسك بي , وأصر أن يعمل معي مشروعا فنيا لأن لديه المال , فهو من عسكري في (قسورة) , ولديه المال , ويريد أن ينتج عملا فنيا , وأخذ تليفوني من ابن عمي , وهو يقول : أنا أسكن في زاوية الدهماني , فقلت له أنا عندما أحضر لطرابلس أسكن في زاوية الدهماني فبيت خالتي هناك , فقال على الفور إذن سنلتقي هناك في مقهى , وأضاف ..ففي زاوية الدهماني الكثير من المقاهي , وسنناقش الاتفاق على راحتنا , فابتسمت وقلت له : لماذا (القهاوي) يمكنك أن تحضر إلى في بيت خالتي فنجلس هناك , وافق ولم يعلق , ذكرني أن يكون ضيفا على الضيف بالشعر الذي يقول : 
يــا أيها الخــارج مـن بيتــــــــــه وهـــــارب مـــن شـــدة الخـوف
ضيفـــك قــــد جـــاء بــزاد لــــه فارجع وكن ضيفا على الضيـف
ويصل زياد إلى الهدف من الرحلة والذي لم يكن كما توقعنا , فكل من يشرع في قراءة قصة هذه الرحلة , يعرف أن العيساوي له موضوع إداري يريد أن ينهيه في طرابلس مدينة المركزية المقيتة , ويريد أن يرينا مدى المعاناة منذ البداية , فاختار الرحلة البرية , لقد اختار الأصعب بالتأكيد , ولكنه يفاجؤك بنبل الهدف الذي حدا به أن يتكبد المشاق , ويسافر إلى طرابلس عاصمة الروتين والمركزية , فكانت الرحلة لزيارة قبر جده الأكبر , وقصر ومسجد وزاوية جده الأوسط , ليقرأ الفاتحة على روحيهما .
العودة إلى بنغازي , كانت عبر الرحلة الجوية السريعة , لذلك اكتفي زياد العيساوي بوصف سريع لها (فن – طب) !! .. جملة شعبية بليغة , عبرت عن سرعة الرحلة , (فن – طب) , بلا أي تعقيد ولا تشكيل , وهنا قمة البلاغة , فالبلاغة هي مناسبة القول لمقتضى الحال .
وجه الكاتب خطابا في نهاية الرحلة للقراء , أشار فيه إلى أنه يصف الشيء كما هو .. فإذا كان بلا (ألوانِ) بالجر .. فليكن ذلك كذلك , ويختصر أيضا بأنه يركز على المساوئ لأنه لا غرابة في وجود المحاسن أصلا .

الاثنين، 8 سبتمبر، 2014

تحدي الرياح

ذات شتاء أمام شباك المقهى، حيّيت الحاج علي بتحية الصباح فرحّب بيّ: "امريحبا بوجه الخير.. وين ديارك لك فترة مش باين؟.. راني انتونس بيك أنت عرقوبك جلاّب يا باتي".
عمق الجيب بطول براجم الإصبعين، شدا الدينار وأخرجاه من الجيب الخلفي للبنطال لأسدّد ثمن قهوة عربية ما عدت لأشربها حتى في البيت بعد رحيل الحاج "علي الشومالي" رحمه المولى عزّ وجلّ، صاحب مقهى بنغازي ذاك المبنى المقام على أعمد الألومنيوم والزجاج بكورنيش بنغازي القديم، وكان ليد الرياح قولٌ آخر إذ هبّت رياح شمالية عاتية فذهبت وطوّحت بالدينار على الأرض، انحنيت لأخذه فابتعد قدر دينار غافلته ووطأت بقدمي عليه لكنه انزاح شعرت برغبة في التحدي كالصاري الصارم، خطوت نحوه والحاج علي يناديني: "تعال يا وليدي ياخذ سوك"، أصرّرت متقفياً أثره في الهواء ركضت هرولت، وجدته بين قدمي همّمت بالانقضاض عليه غير أن قدم الرياح راوغتني و(دحتني) انطلق الدينار بين قدمي بالاتجاه المعاكس للريح عبرت الطريق إليه ومنبهات السيارت تشتغل (بييييب بييييب) وكأني بالحاج علي أمام هذا الموقف يصرخ "رد بالك من السيارات يا وليد تعال خلاص ياخذ سوّك"..شعرت بحرج شديد لو ضاع مني ذلك الدينار لأني سأكون في أعين المتفرجين مهزوماً، مسحت طبقة الخجل من على وجهي وغطيته بطبقة سميكة من البلادة، صار وجهي مثل أيقونة ماسنجر صفراء أسنانها للخارج وشدقاها للداخل، أحسّست بأنّ الرياح ككائن حي يريد استفزازي ويستهزئ بيّ، تبعت ديناري بطريقة توحي للرياح بأني غير مهتم صرت أمشي على أمشاط القدم والتفت إلى الخلف مبتسماً بخجل ووجل وألوّح للحاج علي الذي خرج من مقهاه وترك الزبائن الذين يتزاحمون-عرقوبي جلاب- على الشباك ليتكيفوا بقهوته العربية المُنكهة بالكسبر، وجدت بأن المسافة التي قطعتها صارت تبتعد شيئاً فشيئاً لأن الرياح باتت تأخذ الدينار لمسافة أبعد، هنا قررت الركض صوبه محفزاَ حواسي كلها، وبجواري تأتي موجات من أصوات المارة تقول: "يا ساتر..وسّع بالك يا شاب".. في لحظة ما، ثبت الهدف محله غير مزحزحه حتى أدركته، ومستغفلاً توقف الرياح قفزت عليه ككرة مُنفذة من ركلة جزاء فأصابت الشباك، نهض الدينار مسافة نصف متر إلى أعلى ثم دُفع برياح من جهة أخرى أدخلته وراء سياج منارة سيدي خريبيش وأنا مرمي على بطني، لم أتوان على القفز فوق السياج القصير وما إن لامست قدماي الأرض حتى خطر ببال الرياح أن تخرج ضالتي إلى الطريق مرة أخرى.
خطوة مني تقابلها خطوة في نفس الاتجاه منه وجدتني عند مقر الفندق الجديد الذي لم يبتدأ العمل به بعد، فكرت في الرجوع لكني لن أخسر شيئاً فقد ضحك عليّ الجميع.
بعد برهة رجع الدينار إلى حالة السكون، أخذت أبسبس له (بس بس بس) كدابة أليفة موحياً له بصغر قيمته عندي وقبل أن اتجه نحوه أخذته عاصفة إلى أعلى وأطاحت به بعرض البحر.
رجعت القهقرى إلى المقهى، هناك مدّ ليّ الحاج علي كوب ماء منكه بالزهر وباليد الأخرى ناولني قطعة قماش مبتلة لأمسح بها لطخات الاتساخ بهندامي وهو يبتسم أعطاني فنجان قهوتي الذي تيبس من البرد، وصار هذا الموقف تذكرة ليّ كلما جئنا على سيرة النصيب: "زي هذك الجنيه اللي بهدلك".